رحل متجاوزا الستين من عمره و ظل شعره متمتعا بنضارة الشباب و عنفوانه
في جداريته ، ناجي الموت شاعرا :أيها الموت ... انتظرني خارج الأرض ، لم يعد أحد من الموتى ليخبرنا الحقيقة ...
ايها الموت انتظريني خارج الأرض ... انتظ
رني في بلادك ريثما انهي حديثا عابرا مع ما تبقى من حياتي ...
محمود درويش يستسلم للموت
اليوم يغادر دنيانا محمود درويش دون أن نعرف إن كان وجد متسعا من الوقت لإنهاء حديث ليس أبدا عابرا ... مع ما تبقى من حياته .
مساء أول أمس السبت نزل خبر موته صلعقة مزلزلة على قلوب الجميع ، النخبة كما عامة الناس و بسائطهم ، فمحمود درويش لم يكن له برج عاجي يطل من خلاله على قرائه و محبي أعماله شعرا و نثرا ، بل كان شاعرا شعبيا و نخبويا في آن ... ربما قد يكون استمد جماهيريته من وحي فلسطين أو من ذاك البعد السياسي الكامن في أبيات قصائده التي عبر خلالها عم أمال الشعوب العربية و الأمهم ، لكن أيضا بساطة لغته و طواعيتها كان لها دور هام في انتشاره و شعبيته .
خنقه لقبه شاعرا للقضية / فلسطينيته كانت قدره الذي يتبعه كظلمة أينما حل و ارتحل بين البلدان و القصائد.
قال ذات حوار : طبعا أنا فلسطيني و شاعر فلسطيني و لكن لا أستطيع أن أقبل بأن أعرف بأنني شاعر القضية الفلسطينية فقط ، و بأن يدرج شعري في سياق الكلام عن القضية فقط و كأنني مؤرخ بالشعر لهذه القضية .
لم يكن درويش شاعرا طلائعيا محدثا فقط كان نجما في عالم عربي ينعم بلقب النجومية على مغنيه و ممثليه فقط و يستثني منه الأدباء و الشعراء ، بل أكثر من هذا درويش خلق نجوما بشعره ، أحن إلى خبز أمي صنعت مارسيل خليفة ، و غيرها من قصائد درويش كرسها حاصر حصارك لا مفر جعلت ماجدة الرومي معبودة الجماهير العربية ، محمود درويش حين يقف على مسرح او منصة لإلقاء شعره تجد القاعة تغص بجمهور حاشد يقاطعه بالتصفيق المدوي كلما مست كلمة أو بيت شغاف قلبه ... هو فقط من يستطيع ذلك و ليس شاعر آخر .
توفي درويش بعد ان تجاوز الستين بسنوات تنفس فيها إبداعا . ظل شعره يتمتع بنضارة الشباب و عنفوانه ، تعب قلبه هذه المرة و أسلم الروح في هيوستن الأمريكية ، بعيدا عن وطنه ، ذلك الوطن الذي أصبح أهله يقتتلون في ما بينهم ، و بدل أن يوجه إلى العدو سهام قصائده سيجد درويش نفسه غاضبا ينتقد انقسام الفلسطينيين و صراعهم على السلطة ، فكتب في ( انت منذ الآن غيرك ) يقول :
لولا الحياء و الظلام لزرت غزة ، دون أن أعرف الطريق إلى بيت أبي سفيان الجديد، و لا اسم النبي الجديد ، و لو لا أن محمدا هو خاتم الأنبياء لصار لكل عصابة نبي ، و لكل صحابي ميليشيا ، اعجبنا حزيران في ذكراه الأربعين ، إن لم نجد من يهزمنا ثانية هزمنا أنفسنا بأيدينا لئلا ننسى .
فلسطين أعلنت حدادها على درويش لمدة ثلاثة أيام و رام الله أضاءت شموعها حزنا على رحيل شاعر اوصى بأن لا يوضع البنفسج على قبره لأنه زهر المحبطين يذكر الموتى بموت الحب قبل أوانه ، يفضل بدله شقائق النعمان إن وجدت ... و سبع سنابل خضراء توضع على التابوت ... إن وجدت .
استسلم درويش للموت و لا يعرف إن كانت انتظرته حتى يعد حقيبته ، فرشاة اسنانه ، و صابونته و ماكنة الحلاقة و الكولونيا و الثياب .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق